أخبار وطنية بعد الـمحروقات والسجائر: زيادات أخرى منتظرة والمواطن يشهق ما يلحق
لم تكد تمرّ أيّام على تكبّد التونسيين نفقات «جهنمية» أثقلت كاهلهم وأفرغت جيوبهم نتيجة لمصاريف شهر رمضان المعظّم وموسم عيد الفطر و»آلامه» المادية حتّى نزلت عليهم صدمة الزيادة في أسعار المحروقات والسجائر «دون شفقة أو رحمة» على حدّ قول بعض المواطنين من الذين اعتبروا هذه الزيادات ستزيد من حجم عبئهم ومن تدهور مقدرتهم الشرائية التي أصبحت منذ أعوام في خبر كان..
أخبار الجمهورية في هذا الإطار ارتأت رصد مواقف عدد من المحلّلين والخبراء الاقتصاديين من هذه الزيادات المذكورة وأسبابها وانعكاساتها فكان ما يلي..
معز الجودي: المواطن هو من يدفع الثمن
في البداية كان لأخبار الجمهورية حديث مع الخبير والمحلل الاقتصادي معز الجودي للخوض في أسباب الترفيع في أسعار المحروقات والسجائر، فأكّد لنا أنّ هذا الأمر كان متوقعا وجاء نتيجة الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعيش على وقعها بلادنا والتي نبه وحذّر منها العديد من الخبراء الاقتصاديين مشيرا إلى أنّ ضريبة هذه الأزمة الاقتصادية في تونس سوف يدفعها كل المواطنين بمختلف طبقاتهم الاجتماعية..
واعتبر الجودي أنّ وتيرة الزيادة في أسعار بعض المواد مازالت ستتواصل على اعتبار تواصل الأزمة الاقتصادية والمالية التي نعيش على وقعهما، خاصة في ظل عدم الوعي الكافي بصعوبة الوضع الاقتصادي وعدم المرور الى برامج انقاذ بأتم معنى الكلمة لإيجاد الحلول وتفعيلها للخروج من الازمة فيما يدفع المواطن التونسي الفاتورة على حد تعبيره..
زيادات أخرى منتظرة
وواصل الخبير الاقتصادي تحليله لأسباب الزيادات في الأسعار قائلا إنّه يعود إلى ضعف نسق الإنتاج الاقتصادي والنمو والثروة الى جانب عوامل أخرى داخلية وخارجية، معتبرا انّ الزيادات في المحروقات والسجائر ترجع كذلك الى العديد من الاخلالات الموجودة وعدم التوازن في ميزانية الدولة وحاجيات صندوق الدعم فضلا عن الركود الذي يشهده النشاط الاقتصادي..
هذا كما اعتبر معز الجودي انّ الترفيع في الاسعار من شأنه ان يؤدي الى الترفيع في نسبة التضخم المالي الذي يؤدي بدوره الى انخفاض الطاقة الشرائية لدى المواطن التونسي خاصة في ظل تواتر انباء عن برمجة زيادات أخرى في الفترة القادمة يمكن ان تشمل المواد الغذائية وايضا الترفيع مرة اخرى في اسعار السجائر والمحروقات..
5 إصلاحات ضرورية على الخط..
وحول الحديث عن برامج الإنقاذ والإصلاحات التي يتوجب على المعنيين بالأمر إتباعها للخروج من الأزمة الاقتصادية العميقة، قال الخبير الاقتصادي معز الجودي انها تتمثل في 5 إصلاحات جوهرية أوّلا اصلاح الوظيفة العمومية من خلال تحكم الدولة في الزيادات في حجم الاجور وتقليص نفقاتها ومن عجز الميزانية والذي سوف تنجر عنه قرارات مؤلمة لا مفر منها على غرار التجميد في الانتدابات بالوظيفة العمومية وعدم تعويض المحالين على التقاعد ويمكن ايضا ان تؤدي الى التجاء الدولة لتسريح بعض الاعوان..
ثانيا إصلاح منظومة الدعم والتقليص في الميزانية، أمّا الثالث فيتجسّد في إصلاح الصناديق الاجتماعية عبر الزيادة في سن التقاعد وفي قيمة المساهمات خاصة وان هذه الصناديق الاجتماعية أضحت اليوم «مفلسة» نتيجة العجز الهائل الذي باتت تعاني منه والذي يقدّر بالألف مليار دينار..
وحول الإصلاح الرابع، اعتبر محدّثنا انه يتمثّل في إصلاح المؤسسات العمومية التي بات جزء هام منها على شفير الافلاس وهو ما زاد من عبء ميزانية الدولة التي تتكبد ما بين الـ3 الى 4 مليار دينار كحجم للدعم والمنح التي تتمتع بهما تلك المؤسسات العمومية من الدولة لترقيع عجزها مناديا في هذا الإطار بضرورة خوصصتها للحد من ذلك العبء..
أمّا الإصلاح الخامس فيتبلور في الإصلاح الجبائي العميق الذي يساهم في محاربة التهرب الجبائية وتنمية الموارد الحبائية للدولة حتى تصبح لها ميزانية كافية للتعهد بمصاريفها..
حسين الديماسي: أصبحنا نتخبّط وسط دوامة جهنمية
بدوره اعرب الخبير الاقتصادي ووزير المالية الأسبق حسين الديماسي عن عدم استغرابه لهذه الزيادات التي تم فرضها مؤخرا بل قال انه يتوقع مزيدا من القرارات المشابهة خلال الاشهر القليلة القادمة والتي اعتبر انّها ستؤثر بشكل كبير على الطاقة الشرائية للمواطن..
وحول أسباب إقرار هذه الزيادات أفاد الديماسي أنّ الحكومة مجبرة لاتخاذ هذه الإجراءات نتيجة لتراجع موارد ميزانية الدولة في ظل تصاعد وتيرة نفقاتها وهو ما يلزمها البحث عن موارد أخرى لترقيع نسبة العجز..
كما اعتبر محدّثنا أن عدم استغرابه لهذه الزيادات يعود الى معرفته بعدم توازن وتناسق ميزانية 2017 التي أرست مصاريف إضافية جديدة دون التحقّق من الموارد التي ستواجه تلك النفقات على حدّ تعبيره، مشيرا الى ان قرار الزيادات يدخل أيضا في إطار الوضع الراهن المتّسم بضغوطات كبيرة تتكبّدها ميزانية الدولة..
وحول الحديث عن انعكاسات الزيادات التي تم إقرارها، قال الخبير الاقتصادي أنّها اجراءات ستؤثر حتما على مستوى عيش جل المواطنين وكذلك على الصيرورة الاقتصادية وعلى نسق نمو الاقتصاد والمنافسة الخارجية خاصة في ما يهم الزيادة في أسعار المحروقات..
في المقابل اعتبر محدّثنا أنّ الحكومات المتعاقبة منذ الثورة وعوض أن تكون لها الجرأة الكافية والمقدرة على تفعيل اصلاحات هيكلية اساسية تمس ميزانية الدولة وتمكن من ترشيد النفقات للخروج من المأزق الاقتصادي الراهن، مرّت الى تنفيذ إصلاحات هشة ساهمت بدورها في تعميق الأزمة لنبقى بذلك نتخبط وسط هذه الدوامة الجهنمية على حد تعبيره..
توضيح المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة
وحول ما أثاره توقيت الإعلان عن الترفيع في أسعار المحروقات والسجائر من ضجة على شبكات التواصل الاجتماعي خاصة وأنه تم الاعلان عن الزيادة في سعر بعض المواد البترولية في ساعة متأخرة من ليلة السبت والترفيع في سعر السجائر تم في ساعة متأخرة من ليلة الأحد.
وفي تعليقه على توقيت الزيادة الوزير المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة، توفيق الراجحي، أن الزيادة كانت مبرمجة منذ جانفي 2017. وأضاف توفيق الراجحي أنه لا يوجد وقت جيد ووقت سيئ للزيادات، مصرحا أنه إذا تمت الزيادة في شهر جانفي سيقولون شهر جانفي ساخن وهناك عديد المشاكل وإذا تم في أفريل سيقولون هناك مشاكل على غرار ما جرى في الكامور وفي رمضان والعيد نفس الشيء.
وشدد الراجي خلال استضافته على موجات راديو شمس اف ام على ضرورة اعتماد قواعد واضحة في الزيادات حتى لا يتم تسيس القرارات «التي نحتاجها لسلامة التوازنات المالية».
وحول أسباب الزيادات اوضح الراجحي انها تعود لتسجيل عجز في الميزانية بسبب ارتفاع سعر برميل النفط وتراجع قيمة الدينار. وأضاف توفيق الراحجي أن الاحتجاجات التي عرفتها منطقة الكامور التابعة لولاية تطاوين، تعتبر عاملا غير مباشر في الزيادة في أسعار المحروقات.
اتحاد الشغل يدين بقوة الزيادة في الأسعار
بدوره أصدر الاتحاد العام التونسي للشغل أمس الثلاثاء بيانا حول ما اسماه بالزيادة المشطة في المحروقات والتي ليس لها أي مبرر اقتصادي وفق ما جاء في نص البيان الذي اعتبر أنّ الحكومة قد سبق لها ان أقرّت من جانب واحد رفع الدّعم عن المحروقات وتحرير أسعارها وربطها بسعر التبادل في السوق العالمية، خاصة وان سعر النفط لم يصل الى الخمسين دولارا وهي التقديرات التي وضعتها الحكومة نفسها بالنسبة لهذه الفترة..
وبناء على هذا اعتبر الاتحاد العام التونسي للشغل أنّ هذا الإجراء حلقة في سلسلة ضرب الاقتصاد التونسي يأتي بعد دفع الدينار إلى الانهيار وبعد زيادة نسبة الفائدة وغيرها من الإجراءات الليبيرالية التي لا تخدم إلاّ الرأسمال الأجنبي وتكبّل التصدير وتغرق المؤسّسات في العجز وتفضي إلى غلقها وتفكيكها وفقد آلاف مواطن الشغل.
وطالب المكتب التنفيذي الوطني بمراجعة هذه السياسة اللاّ شعبية واتخاذ إجراءات وطنية تنقذ الاقتصاد فعليا وتمنع انهياره وارتهانه. كما استغرب من صمت الحكومة إزاء استمرار انهيار الدينار وعدم اتّخاذها الإجراءات العاجلة والضرورية رغم إقرارها بخطإ هذا القرار، ويدعو إلى معالجة ذلك في أقرب الآجال.
واعتبر أنّ هذه الزيادات تُعدّ خرقا للاتفاق الحاصل بين الاتحاد والحكومة حول الزيادة في الأجور والقاضي بالتزام الحكومة بالتحكّم في الأسعار. وهي زيادة مشطة تعتبر إمعانا من الحكومة في دفع القدرة الشرائية للمواطن الى التدهور والتهرّؤ ووسيلة التفاف لامتصاص الزيادات في الأجور وإفراغها من كلّ محتوى.
هذا كما حذّر الاتحاد في ذات بيانه من تداعيات هذه الزيادة المشطّة على كلفة نقل البضائع وعلى النقل العمومي وعلى انتاج الطاقة الكهربائية وعلى الانتاجين الصناعي والفلاحي في ذروة الموسم الصيفي وتأثير الزيادة في أسعار منتوجاتها وموادها وخدماتها المتّجهة أصلا إلى مزيد الغلاء، وينبّه من المسّ من أسعار المواد الأساسية والخدمات الضرورية
المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك «ليست على الخط»
من جهة أخرى حاولنا العديد من المرات الاتصال بالمنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك لرصد موقفها من الزيادات في أسعار المحروقات والسجائر واستفسارها عن سرّ صمتها إزاء الزيادات المتتالية وعدم صلابتها في الدفاع عن المستهلك التونسي الذي اضحى كمثل الذي يحفر في البحر لا راتب يكفيه لسدّ ديونه ولا آذان تصغي إليه لسماع همومه ، فلم نجد أيّ رد ولا جواب..
إعداد: منارة تليجاني